مقال

لماذا اخترتُ تدريس العمل الصّحفي؟

رغم صعوبة السّياق وغموض المستقبل، يظلّ كاميل فيرمولين، الصّحفي من أمستردام (هولندا) البالغ من العمر 26 سنة والحائز حديثا على شهادة الماجستير في الصّحافة، مقتنعًا بأنّ هذه المهنة ينتظرها مستقبل واعد.

يكفي أن تُخبر أحدهم بأنّك تدرّس الصّحافة، فالأرجح أنّه سيطلق آهة تعبيرا منه على نوع من القلق، هذا إن لم يقطّب حاجبيه ارتيابا.

طبعا، لا أوافق على ذلك لكنّني أتفهّم الأمر. فالذّكاء الاصطناعي صار موضة على عكس الصّحافة. إذ بفضل نماذج لغويّة قادرة على كتابة عدّة فقرات في بضع ثوانٍ، من الذي ما زال يحتاج إلى الصّحفيّين التّقليديّين؟ أو بعبارة صادمة أكثر: لماذا مازلنا ندرّس الصّحافة؟

بالنّسبة لي، كمتحصّل على شهادة ماجستير مزدوجة في الصّحافة والشّؤون الدّولية من معهد الدّراسات السّياسيّة بباريس، كانت الصّحافة دائما شيئا بديهيّا وإلاّ كيف يُمكن للمرء أن يُكوّن أفكاره وآراءه دون وسائط الإعلام؟ كنت دائما منبهرا بالفكرة القائلة بأن كلّ شخص نلتقيه يحمل في داخله رؤيةً للعالم، وأنّ هذه الرّؤية قد تشكّلت إلى حدّ كبير من خلال الصّحافة.

أمرٌ بديهي

أريد أن أشير إلى أنّني نشأتُ بين أبٍ كان يقرأ الجريدة كلّ صباح من الصّفحة الأولى إلى الصّفحة الأخيرة، وأمٍّ تُتابع نشرة الأخبار كل مساء في الساعة الثامنة ليلا فضلا عن أنّني كنت دائما شغوفا بالكتابة.

في فترة اختياري للاختصاص ضمن التّوجيه الجامعيّ، كان عددٌ متزايدٌ من النّاس يستقون المعلومات من وسائل التّواصل الاجتماعي. وقبل شهرين من الموعد النّهائي للتّرسيم في الماجستير، ظهرت منصّة تشات جي بي تي وتوقّع الجميع نهاية مهنة المحرّر الصّحفيّ.

لا يمكن لنموذج ذكاء اصطناعي الالتقاء مع مصدر معلومات سرّي في مأوى للسّيارات. أمّا الإنسان فيستطيع ذلك

ومع ذلك، أصرّيتُ على خياري. قلت في نفسي قد يكون الرّوبوت قادرًا على كتابة مقال مُقنع عن حادث سيّارة، لكن كيف له أن يعلم بوقوع الحادث إن لم يُزوّده أحد بالخبر؟ من جهة أخرى، لا يمكن لنموذج ذكاء اصطناعي الالتقاء مع مصدر معلومات سرّي في مأوى للسّيارات. أمّا الإنسان فيستطيع ذ لك.

في المقابل، عندما بدأتُ دراستي، لم أكن أعي بالمرّة بالمخاطر التي قد يواجهها الصّحفي. فحريّة الصّحافة العالمية في أدنى مستوياتها منذ 25 سنة، والصّحفيون -خاصّة النّساء منهم- يُستهدفون عمدًا، وهي ظروف كافية للحطّ من العزائم.

صحافة تفاعليّة

مهما يكن من أمر، بدأتُ دراسة الماجستير في الصّحافة في باريس. ومنذ الأسبوع الأوّل، تعلّمنا إجراء تحقيقات اعتمادا على المصادر المفتوحة المتمثّلة في استعمال محتويات متاحة للعموم للتّثبّت من المعلومات، وهو مجال في أوج التّطور مقابل تزايد المعلومات المضلّلة المنتَجة بواسطة الذّكاء الاصطناعي.

خلال السّداسيات التّالية، تلقّينا تدريبًا على صحافة البيانات، والبودكاست، والصّيغ الموجّهة إلى مواقع التّواصل الاجتماعي، وتغطية التغيّر المناخي، والتّحقيقات الصّحفية في مناطق النزاعات، والعمل الحرّ، والذّكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى تعلّم أعمال أكثر تقليديّة مثل الكتابة، والحوارات الصّحفيّة، وتصوير التّقارير التّلفزيونيّة.

أما المادّة الأكثر تفاعليّة فكانت بعنوان "الصّحافة المحلّية والصّحافة الميدانيّة" On the Ground and Local Journalism حيث كُلّف كلّ طالب بالعمل كمراسل أجنبي في مدينة خارج باريس لما تبقى من السّداسي. لم يكن من السّهل الانتقال إلى مكان جديد وبناء شبكة من المصادر لاكتشاف أحداث محلّية، ولكن ذلك كان مثيرا. وهو أمر لن يتمكّن الرّوبوت من القيام به في المستقبل القريب على الأقلّ.

التّزييف العميق والإعلام المضلّل Deepfake et intox

إنّه لمن المطمئن حقّا أن يجد الواحد نفسه محاطًا بطلبة اختاروا دراسة الصّحافة لإيمانهم بهذه المهنة. ثمّ إنّها مهنة تسمح باستكشاف عدد كبير من المواضيع المختلفة ممّا يجعلها متنوّعة للغاية.

في الوقت الذي تزدهر فيه الإعلام المضلّل، قد يتجدّد الاهتمام بوسائط الإعلام المحترفة

صحيح أن المنصّات الإعلامية تتعرّض إلى تدفّق هائل ومتزايد للمحتويات ممّا يزيد من صعوبة عمل الصّحفيين. لكن اليوم، مع ازدهار التّضليل والأخبار الزّائفة على الإنترنت -من مقاطع الفيديو المُفبركة للسّياسيّين إلى الروايات عن حوادث طائرات لم تقع بالمرّة- قد يتجدّد اهتمام الجمهور بوسائط الإعلام المحترفة والوحيدة القادرة على ضمان معلومات موثوقة ومُدقّقة. رغم أنه لا أحد معصوم من الخطأ.

إنّ تمثّلات الجمهور ليست ثابتة للأبد. ولن أستغرب إن سمعتُ أحدهم، في غضون بضع سنوات، يقول "أنا أدرس الصّحافة" وأن يقابل إعلانه بعلامات إعجاب وحماس وليس بعلامات ارتياب أو قلق.