معاهد الصّحافة تعيد النّظر في مناهجها
تسعى معاهد الصّحافة إلى التّأقلم مع الأزمة التي يعيشها الإعلام التّقليدي رغم ما تلاقيه الإصلاحات الجامعيّة من صعوبات لمواكبة الوتيرة المتسارعة للتغيّر التّكنولوجي.
شكّل ظهور وسائل الإعلام الرّقميّة نقلة نوعيّة في مجال العمل الصّحفي حيث أفضى انتقال عائدات الإعلانات الإشهاريّة إلى المنصّات الكبرى إلى أزمة اقتصاديّة طالت وسائط الإعلام التّقليديّة، وهو ما نجم عنه غلق العديد من الصّحف وفقدان عدد كبير من الوظائف. في الوقت ذاته، انتشرت المعلومات المضلّلة على نطاق واسع متسبّبة في أزمة ثقة أثّرت على المهنة برمّتها.
هذه التطوّرات أثّرت حتما على تدريس الصّحافة. ففي جميع أنحاء العالم، تسعى مؤسّسات التّكوين إلى إيجاد طرق جديدة لإعداد الخرّيجين الجدد لمواكبة عالم تهيمن عليه الصّيغ الرّقمية الجديدة وحيث تتضاءل فرص العمل التّقليدية والمستقرّة.
من هذا المنظور، قامت معظم المعاهد بتوسيع مجال الأدوات التّكنولوجية التي يتدرّب عليها الطّلبة، لكنّ هذه التّعديلات ليست معطاة بسهولة، إذ يتّسم إصلاح البرامج الجامعيّة بالتّعقيد والبطء، في حين تتسارع وتيرة الابتكارات التّكنولوجية بنسق مذهل، حتى أن بعضها يختفي بالسّرعة نفسها التي ظهر بها..
صِيَغٌ جديدة
رغم كلّ ذلك، تسعى المعاهد إلى التّأقلم. فالبودكاست، ومقاطع الفيديو القصيرة، والحملات المنشورة على مواقع التّواصل الاجتماعي ليست سوى البعض من الصِّيَغ الجديدة التي أصبحت تُدرّس. هكذا عمدت مدرسة الصّحافة بجامعة كارديف في ويلز (المملكة المتحدة) إلى تدريب طلاّبها على استخدام "مجموعة متنوّعة من برامج الأنترنت لإنتاج محتوى مرئيّ، ومدوّنات، وتطبيقات، وحملات ترويجيّة على مواقع التّواصل الاجتماعي".
وعلاوة على الكفاءات التّقنية، تُولي هذه المؤسّسات أهميّة لفنّ القصّ récit وللنّجاعة السّردية narratif. فعلى سبيل المثال، ينتدب معهد الصّحافة بجامعة توماس مور في مدينة ميشيلين ببلجيكا طلبته بعد التّعرّف على دوافعهم من خلال أسئلة من قبيل: "هل لديك قصّة ترويها؟ هل ترغب في أن يكون صوتك مسموعا؟ هل تريد أن تُضفي طابعا إنسانيّا على عالمنا الذي غالبًا ما يكون عنيفا؟"
يمثّل النّقص في البنية التّحتيّة الرّقميّة عائقا هامّا أمام معاهد الصّحافة الأفريقيّة
إضافة إلى هذه التّحديّات، تواجه معاهد الصّحافة في الدّول الفقيرة عقبات ماليّة وتقنيّة. يقول أستاذ الصّحافة الغاني، ريتشموند أتشيمبونغ Richmond Acheampong، إنّ النّقص في البنية التّحتيّة الرّقمية يُعيق إلى حدّ كبير المؤسّسات الأفريقيّة. في مقال نُشر في أبريل 2026 على موقع الشّبكة الأفريقيّة لتدريس العمل الصّحفي (Ajen)، يُؤكّد ريتشموند أنه في الوقت الذي تعتمد فيه الصّحافة على التّعاون عبر الإنترنت والتثبّت المباشر من المعلومة وتحليلها "لا يُمكن لكليّة ما أن تقوم بتدريب طلبتها على نحو جدّي على هذه المعطيات إذا كانت سعة النّطاق التردّدي غير مستقرّة أو مُكلِفة أو معدومة أصلا".
إنّ العمل الميدانيّ، الذي طالما شكّل إحدى ركائز التّدريب على العمل الصّحفي من خلال الصّحف الجامعية والإذاعة وأحيانًا حتّى التلّفزيون، أصبح بدوره عرضة للضّغوط. فجامعة رودس في ماكاندة، جنوب أفريقيا، تمتلك صحيفة محليّة "غروكوتس مايل" Grocott’s Mail مكّنت أجيالا متعاقبة من الصّحفيين المُبتدئين من قطع خطواتهم الأولى في الميدان. فالمنعرج الرّقمي قد أعلن نهاية النّسخة الورقيّة وأصبحت الصّحيفة تُوزّع في بصيغة بي دي أف PDF عبر الرّسائل الإخبارية الرّقمية وفيسبوك وغيرهما من القنوات الرّقميّة. وقد أتاح هذا المنعطف مدخلا جديدا إلى منظومة إخبارية رقميّة تسمح بتفاعلات أكبر مع السكّان والجمهور.
وضع هشّ
يتعيّن على معاهد الصّحافة أيضًا الحفاظ على علاقات وثيقة مع الوسط المهنيّ لتحافظ على وجاهتها. ويُعدّ المشروع التّشاركي الأفريقي الذي أطلقته اليونسكو لتطوير معايير التميّز في تدريس الصّحافة في أفريقيا خطوة في هذا الاتّجاه. ففي سنة 2023، جمعت مشاورات عبر الإنترنت حوالي مائة من أساتذة الصّحافة في القارّة الأفريقية للتّداول في التحدّيات التي يواجهونها. وفي نفس السّياق، تنظّم الشّبكة الأفريقيّة لتدريس الصّحافة سنويّا موائد مستديرة مع ممثلي الصّناعة والمهنيّين، وستُعقد الدّورة القادمة في جزيرة موريس.
يجب إعداد طلبة الصّحافة للعمل "الرّيادي وغير التّقليدي"
على الطّلبة اليوم أن يكونوا مستعدّين إلى ما يُسمّيه الجامعيّان الهولنديّان، مارك ديوز وتامارا ويتشج، بـالعمل "ما بعد الصّناعي، الرّيادي وغير النّمطي". وعليهم امتلاك الكفاءات اللاّزمة للعمل بصفة مستقلّة في عالم تُهيمن عليه المهام الظّرفيّة والشّركات النّاشئة. ذلك ما يسعى إليه مركز الابتكار في المدرسة العليا للإعلام والاتّصال بجامعة آغا خان في نيروبي (كينيا) التي تُرافق تكوين الشّركات النّاشئة.
وإذا ما اعتبرنا العمل غير المستقرّ تحدّيًا جديدًا للصّحافة في دول الشّمال، فإنه يمثّل، ومنذ زمن بعيد، جزءا من واقع العمل الصّحفي في أفريقيا وفي أجزاء أخرى من دول الجنوب. بهذا المعنى، يمكن للتّجارب الأفريقيّة أن تقدّم دروسا ثريّة لوسائط الإعلام خارج القارّة.
في المستقبل، من المهمّ أن تتجاوز معاهد الصّحافة وظيفتها التّقليدية في تكوين الطّلبة، وأن تنفتح على الفاعلين الجدد في مجال الصّحافة والذين يحتاجون إلى اكتساب كفاءات كلاسيكيّة في مجال البحث والتّحقّق والسّرد. هذا الانفتاح على جماهير أخرى من شأنه أن يتيح فرصًا جديدة وأن يكون جزءا من التحوّل الضّروري لمعاهد الصّحافة.