مقال

الصحفيون وصنّاع المحتوى: من يملك المستقبل؟

يستعرض المقال تحول الصحافة نحو صناعة المحتوى، وتأثير الذكاء الاصطناعي على تراجع المواقع الإلكترونية، وصراع الثقة بين المؤسسات الإعلامية وصنّاع المحتوى، وضرورة تبني الصحفيين لأدوات رقمية جديدة لضمان البقاء في المشهد الإعلامي المتغير.

لم يساورني الشك لحظة واحدة، أن أحداً يعمل في إدارة منظمة إعلامية، ينام ليله هادئ البال مطمئناً، لأن الوقت لم يعد في صالحنا. كل الأشياء تلعب ضدنا، والبسط يُسحب من تحتنا، فإما أن نتحول إلى صناع محتوى، أو نطوي صفحة المنصات الرقمية كما طويت صفحة الجرائد والإعلام التقليدي إلى غير رجعة، وبخاصة في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي الحاصلة.

تحتل المواقع الإلكترونية الآن موقعاً متأخراً، بعدما كانت مصدرنا الأساسي لنقل الأخبار والقراءات فيما ورائها. وكلنا يعلم أن السبب في ذلك هو الذكاء الاصطناعي. فلم يعد البحث الآن عن أي معلومة يتطلب الدخول إلى محركات البحث، لأن أدوات مثل تشات جيبتي وجيمناي وغيرها التي تشاع بين العامة، أصبحت هي الملجأ الوحيد الآن للبحث عن الضالة. الأرقام العالمية تشير إلى أن أكثر من نصف الجمهور في بعض الدول الكبرى بات يحصل على أخباره عبر منصات التواصل بدلاً من المواقع الإلكترونية، وهو تحول لم نشهد له مثيلاً منذ اختراع شبكة الإنترنت، ويضعنا أمام حقيقة موجعة: أننا نخسر جمهورنا بشكل مطرد دون أن ندري.

وفي الغالب يصدر الذكاء الاصطناعي النتائج بالتبني (أي يتبناها ويقدمها على أنها معلومته الخاصة)، أكثر منه توجيهاً للمصدر الأساسي الذي يرتبط أساساً بالمنصات الرقمية الأخرى. وهنا تكمن الكارثة الصامتة: فكل إجابة يقدمها الذكاء الاصطناعي دون أن يحيل القارئ إلى مصدرها، هي بمثابة قبر جديد لموقع إلكتروني كان يمكن أن يزوره قارئ. نحن لا نتنافس مع أدوات ذكاء اصطناعي فحسب، بل نتنافس مع طريقة جديدة في التفكير حول "ماهية المعلومة" ذاتها. ولأن ليس كل المستخدمين يطلبون منه تقديم المصدر الأساسي للمعلومة، فإن الغالبية أصبحوا مرهونين للنتائج التي تقدمها تلك الأدوات، فيما أصبحت تفتقر المواقع الإلكترونية للزوار.

تتعاظم المشكلة أمام التدفق الهائل للمعلومات التي يقدمها صناع المحتوى، والذين يرتبطون غالباً بجمهور أضعاف الجماهير المرتبطة بوسائل الإعلام. المستبصر بالواقع يرى أن الناس تفضل أن تسمع عن تداعيات خبر ما على لسان صانع محتوى -حتى لو كان كوميديان- أكثر من متابعة قناة إعلامية محددة. ما يحدث اليوم أن معادلة الثقة انقلبت؛ فالجمهور لم يعد يسأل "ما هي حقيقة هذا الخبر؟"، بل أصبح يسأل "من هو الشخص الذي يروي لي هذا الخبر؟". صار المروي له أهم من الخبر نفسه، وصار الأسلوب أهم من المضمون، وهذه ليست مجرد نزوة عابرة، بل إعادة بناء لعلم النفس الجماهيري في العصر الرقمي.

هذا التحول في شكل الرسالة الإعلامية وقنواتها ومضامينها، بنى أمامنا نحن الصحفيين جبلاً شاهقاً، فإما أن نتبنى رؤية جديدة تجعلنا أكثر قدرة على مواصلة دورنا في نقل الأخبار والسرد القصصي والتحقيق في قضايا الشأن العام، باعتماد قوالب معالجة تساعدنا في القفز عن الجبل، أو إما ننتظر حتف المهنة. والأكثر إيلاماً أن الجمهور أظهر استعداده للدفع المادي مقابل المحتوى الإعلامي، لكنه يدفع لأفراد بعينهم، وليس لمؤسسات، ولأصوات صريحة، وليس لتقارير محايدة، مما يعني أن قيمة الصحفيين ما زالت قائمة، لكن المؤسسات هي التي تخسر المعركة.

وفي الواقع، هذا ليس مجرد تحدي عادي، لأن مفهوم الصحفي/ة ارتبط على مدار عقود طويلة بالشخص الواعي والمثقف وصاحب الرؤية النافذة، سواء على صعيد تحليل الواقع وتقديم قراءة في الحدث والتنبؤ بشكل المستقبل، أو أولئك الذين كانوا يكتبون مقالات تهتز لها مقاعد المسؤولين، أو ينبشون قصصاً وقضايا من وحي الواقع لم يلتفت إليها أحد، لأجل تعزيز العدالة الاجتماعية والشفافية في المجتمع.

كل أولئك لم يكونوا يتخيلوا يوماً أن عليهم أن يمتلكوا هواتف بكاميرات ذات جودة، ويتحولوا إلى أشخاص يملكون حساً فكاهياً، أو يشاركون المجتمع يومياتهم في الذهاب والعودة من رحلات التسوق قبل أن يتحدثوا في الشأن العام، حتى يحافظوا على مستقبلهم المهني! حتى أن بعض الوجوه الإعلامية المخضرمة على المستوى الدولي اعترفت علناً بأنها أدركت متأخراً أن وسائل الإعلام الجديدة تتطلب منهم التخلي عن طابعهم الرسمي الجامد، وامتلاك الجرأة على التعليق والرأي، لأن الجمهور اليوم لا يريد "قارئ نشرة"، بل يريد "شريكاً في التفكير".

تشاع الآن على المستوى العالمي ظاهرة صناع المحتوى، وهناك فرق جوهري بين صانع محتوى وبين صحفي/ة، خصوصاً على منصات التواصل الاجتماعي. وأصبح الآن شخص واحد من هؤلاء يستحوذ على اهتمام أكثر من 2 مليون متابع، أن يوجه شارعاً عاماً، أو أن يصنع صرعة موضة، أو تقليعة تستحوذ على شريحة واسعة من الناس. هذا ليس انتصاراً للعدد فقط، بل انتصار لمنطق جديد يقول: "الثقة لا تُورث، بل تُكتسب عبر العلاقة اليومية والظهور المتواصل"، وهنا يكمن الفارق الجوهري بين صحفي يظهر فقط عند وقوع الكوارث، وصانع محتوى يعيش في تفاصيل حياة جمهوره اليومية.

أمام هذا الواقع، من الذي يمكن أن يلتفت إلى الصحفي/ة ما لم يكن صانع محتوى؟، وهذا يتحتم علينا الإجابة على السؤال: هل نملك من الجرأة ما يمكننا من التحول إلى صناع محتوى حقيقيين؟ وبخاصة أننا على الأقل نملك من المعايير المهنية والأخلاقية ما يؤهلنا لصناعة رسائل ذات قيمة ضمن قوالب جادة ومسؤولة؟ التجارب العالمية تعلمنا أن النجاح في هذا التحول يتوقف على قدرة الصحفي على التحول من "ناقل للخبر" إلى "مفسّر له"، وقدرة المؤسسة على منحه حرية التعبير بدلاً من تقييده، وإلا فستكون موجات التسريح التي نشهدها في كبريات المؤسسات العالمية مجرد البداية، لأنها تعكس أزمة هوية قبل أن تعكس أزمة ميزانية.

والسؤال الأكبر: هل لدى المنصات والمنظمات الإعلامية القدرة على قيادة هذا التحول؟، أم أن الأمر سيظل رهن امتلاك الجرأة، عملاً بالمثل المصري: إلي سبق أكل النبق.