ترند الثمانينات: حين تصبح الذكريات استفتاءً على القيم
هذا المقال يسلط الضوء على الأبعاد السياسية والتجارية التي تقف وراء ترند الثمانينات التي كانت رائجة على مواقع التواصل الاجتماعي.
في زحمة الصور التي اجتاحت شاشاتنا قبل أيام، لم يكن أحد يتخيل أن قصات الشعر المضخمة والجاكيتات العريضة والألوان الصارخة ستعود لتصبح لغة يومية. ملأ الناس صورهم الشخصية بتلك الروح، وتبادلوا الضحكات والتعليقات الساخرة، وكأنهم جميعاً اتفقوا على موعد مع زمن لم يعيشه بعضهم أصلاً. لكن تحت سطح هذا الترند، كان هناك شيء أعمق يتحرك بهدوء.
الثمانينات لم تكن مجرد عقد من الزمن، بل كانت حالة. هي حالة من المبالغة المحبوبة، ومن الفخامة الجريئة، والإيمان بأن الحياة تستحق أن تُعاش بصوت عالٍ. كان الناس يلبسون ليفاخروا بهيئاتهم، ويشترون ليتباهوا بمقتنياتهم، ويعيشون وكأن الغد مضمون في الجيب.
أما في زمننا هذا، الذي أصبحت البساطة قانوناً والهدوء فضيلة، شعر كثيرون بأن شيئاً ما فُقد، جاء ترند الثمانينات ليقول، دعونا نستعيد ذلك الصوت العالي، ولو في صورة واحدة.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ملياً: ليس عن جمال الترند الذي اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، بل عن مغزاه، لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الحجم؟
الحنين: تسوية متأخرة مع ماضٍ لم يُعش
الجواب الأول بسيط ومقلق في آن واحد، حيث أن جيل كامل وُلد في الثمانينات أو عاش طفولته فيها، وصل إلى منتصف العمر ليجد نفسه محاصراً بين وظيفة لا تشبه أحلامه، والتزامات لم يخترها، وجماليات باردة تفرض عليه أن يكون هادئاً ومتناسقاً. هذا الجيل لم يتمرد في شبابه كما فعل من سبقه. الآن، وجد في هذا الترند فرصة متأخرة للتمرد، ولو افتراضياً. ليس هروباً من الحاضر فقط، بل تسوية مع ماضٍ لم يُعش كما ينبغي.
الملابس ليست بريئة: عندما يصبح الزي رأياً سياسياً
لكن الحنين وحده لا يفسر كل هذا الانتشار، فهناك طبقة أعمق يجب أن نراها بعمق. في الثمانينات نفسها، لم تكن الملابس بريئة. كانت بياناً سياسياً. من يرتدي بدلة بكتفين عريضين كان يقول: أنا رجل أعمال، أنا قوة، أنا الرأسمالية المنتصرة. من يرتدي الجينز الممزق والتيشيرت الأسود كان يقول: أنا ضد المؤسسة. من يرتدي ألوان النيون كان يقول: أنا جزء من ثقافة الشباب، من الطاقة، من الحياة. حتى تسريحة الشعر كانت موقفاً: الشعر المضخم كان رفضاً للانضباط، والشعر القصير المرتب كان انتماءً لمؤسسة الحكومة أو للشركات.
اليوم، عندما يعيد الناس تمثيل الثمانينات، فإنهم يعيدون تمثيل تلك المواقف، ربما دون وعي. وعندما تراقب شركة أو جهة سياسية هذا الترند، فهي تقيم حجم التصويت على القيم.
ماذا يُستشف بالضبط؟
المستبصر يمكنه أن يدرك جيداً أنه إذا اختار الناس في صورهم البدلات الفخمة والمجوهرات الذهبية، فهذا قد يعني تفضيلاً كامناً للاستقرار، للنجاح المادي، وللسلطة أيضاً، وهذا بالطبع يهم الأحزاب المحافظة، ويهم شركات الرفاهية، ويهم أي جهة تريد أن تقول للناس: "الحل في العودة إلى النظام والقوة".
أما إذا اختار الناس الملابس الرياضية، الألوان الصارخة، والموسيقى الصاخبة، فهذا قد يعني تفضيلاً للحرية، للشباب، للتمرد كذلك، وهو بالتأكيد يهم الحركات التقدمية، ويهم شركات الترفيه، ويهم أي جهة تريد أن تقول: "الحل في التغيير والانفتاح".
وإذا اختار الناس السخرية من الثمانينات نفسها، فهذا قد يعني رفضاً للماضي بكل ما فيه، أو خوفاً من المستقبل. هذا يهم من يريد أن يقول: "لا تعودوا إلى الوراء، لا تحنوا إلى زمن كان فيه العالم أبسط".
السياسة لها أذان تسمع أيضاً
مخطئ من يعتقد أن السياسيين لا يراقبون الترندات، ففرق التحليل السياسي في الأحزاب والمراكز البحثية تراقب ما يشاركه الناس، ليس لأنها تريد أن تبيع جاكيتات أو قمصان، بل لأنها تريد أن تفهم ما يريده الناخبون قبل أن يقولوه في صناديق الاقتراع.
عندما ينتشر ترند الثمانينات، يسأل أهل السياسة: هل هذا حنين إلى زمن كانت فيه الطبقة الوسطى قادرة على شراء منزل؟ هل هذا رفض لزمن أصبح فيه كل شيء مكلفاً ومعقداً؟ هل هذا بحث عن هوية جماعية في زمن التفتت؟ هذه الأسئلة ليست عن الموضة بكل تأكيد، هذه هي أسئلة عن مزاج الناخب، وما الموضة إلا مجرد قشرة تغلف هذا المزاج.
الاقتصاد يتقاطع مع كل شيء
هنا يصبح الرابط أوضح، فحقبة الثمانينات كانت عصراً محدداً اقتصادياً: النيوليبرالية، تحرير الأسواق، صعود الأسواق المالية، اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. عندما يحن الناس إلى الثمانينات، هل يحنون إلى تلك السياسات؟ أم يحنون إلى زمن كان فيه الأمل موجوداً، حتى لو كانت السياسات نفسها هي ما خلق المشاكل الحالية؟
هذا يعني باختصار شديد، أن الشركات تريد أن تعرف: هل الناس مستعدون لدفع أكثر على منتج "فاخر" بروح الثمانينات؟ أم أنهم يبحثون عن بديل رخيص؟ والسياسيون يريدون أن يعرفوا: هل الناس يريدون عودة إلى سياسات تلك الحقبة، أم يريدون هروباً من سياسات الحاضر؟
آلة استشعار يرتديها الناس طواعية
ما يحدث فعلاً هو أن ترند الثمانينات تحول إلى آلة استشعار ضخمة، لأن كل صورة تُرفع بفلتر الثمانينات هي صوت في استبيان مجاني وعفوي، أي القصات يختارها الناس؟ أي الألوان تستهويهم؟ هل يميلون إلى فخامة الثمانينات أم إلى بساطتها؟ هل يضحكون على الهواتف الضخمة أم يحنون إليها؟ هذه ليست أسئلة ترفيهية. هذه قاعدة بيانات ضخمة يتم جمعها.
عندما يشارك ملايين الأشخاص صوراً بنمط الثمانينات، فإنهم لا يشاركون ذكريات فقط، بل يصوّتون على جماليات الماضي. والشركات تسمع هذا التصويت بوضوح. قد لا تنتج جاكيتات عريضة غداً، لكنها ستعرف أن هناك طلباً كامناً على شيء ما، شيء يشبه تلك الحقبة، بروح عصرية، وهذا الاختبار للسوق لم يكلفها شيئاً.
هل هناك مؤامرة؟
هنا يتساءل البعض: هل هناك مؤامرة؟ ربما لا، لكن المؤامرة ليست ضرورية عندما يكون النظام نفسه يعمل لصالح أحدهم. الشركات لا تحتاج إلى اجتماع سري لتقرر استغلال ترند، فالخوارزميات تفعل ذلك تلقائياً. والحنين يُستغل تجارياً منذ زمن، الفرق أن الأدوات أصبحت أذكى، والبيانات أصبحت أعمق، والمستخدم أصبح أكثر انفتاحاً على مشاركة نفسه دون أن يدرك الثمن.
التحذيرات التي انتشرت لم تكن من فراغ. كانت صوت وعي متأخر يحاول أن يقول: انتبهوا، أنتم تمنحون وجوهكم وعواطفكم وتفضيلاتكم مجاناً. وأنتم تظنون أنكم تلعبون. لكن اللعب اليوم ليس بريئاً. كل ضغطة زر هي بيانات. وكل بيانات هي قيمة. وكل قيمة لها مالك.
الخلاصة: مرآة نرى فيها أنفسنا وآخرون يرون فيها فرصة
ترند الثمانينات لم يكن مجرد موجة. كان مرآة. رأينا فيها أنفسنا، ورأى فيها آخرون فرصة. كان استفتاءً غير رسمي على مجموعة كاملة من القيم: على العلاقة بين الفرد والسلطة، على معنى النجاح والرفاهية، على دور المرأة والرجل في المجتمع، على فكرة "القوة" و"الفخامة" و"التمرد"، وعلى الحنين إلى زمن كان فيه العالم ثنائياً، واضحاً، وبسيطاً.
شركات الموضة رأت في هذا الترند فرصة لاختبار السوق. لكن شركات السياسة والإعلام والتحليل الاستراتيجي رأت فيه خريطة لمزاج جماعي. كلاهما استفاد. كلاهما قرأ. كلاهما بنى قراراته على ما رآه.
والسؤال الذي يبقى: عندما تشارك صورة لك بنمط الثمانينات، هل تشارك ذكرى، أم تشارك رأياً؟ وهل تعرف أن هناك من يقرأ هذا الرأي، ويحسبه، ويستخدمه؟ ولماذا نحتاج إلى العودة إلى الماضي لنشعر أننا أحياء؟ ولماذا نمنح السوق مفاتيح ذكرياتنا دون أن نسأل: من يستفيد؟ وماذا سيفعل بهذه المفاتيح؟