الحقيقة بين لغتين.. كيف يمكن للترجمة أن تربك عملية التحقق؟
حين يصادف الصحفي ادعاءً متداولًا بلغة لا يتقنها، تبدو الخطوة الأولى بسيطة: يترجم الجملة، ثم يبحث عنها في لغة يفهمها. لكن الترجمة قد تغيّر مسار التحقق منذ بدايته. فالصياغة التي يبحث بها الصحفي قد لا تكون هي نفسها التي ظهرت في الادعاء الأصلي، والمصدر الذي يصل إليه قد يكون نسخة لاحقة من القصة، لا مصدرها الأول.
ففي يناير 2024، حين انتشر مقطع للنائبة الأميركية إلهان عمر وهي تتحدث بالصومالية، وأرفقته منشورات بترجمة إنجليزية، نسبت إليها قولها إن "أولويتها هي وضع الصومال أولًا وتوسيع أراضيه"، إلى جانب عبارات أخرى عن الحكومة الأميركية. وأثارت الترجمة انتقادات سياسية ومطالبات بمحاسبتها وترحيلها. لكن عندما دققت PolitiFact في الترجمة، استعانت بمترجم صومالي مسجل لدى محكمة، وخلصت إلى أن الترجمة المتداولة غير دقيقة، وأن عبارات عدة نُسبت إلى عمر لم تقلها بهذه الصياغة.
لم تكن المشكلة هنا في نقص المعلومات عن إلهان عمر أو في غياب الفيديو، بل في أن الكلام الذي جرى التحقق منه لم يكن مطابقًا لما قيل أصلًا. وإذا بدأ الصحفي بحثه بالنص المترجم، فقد يجد نفسه أمام ادعاء مختلف عن الادعاء الذي ورد في التسجيل.
وتشير دراسة نشرتها مجلة EPJ Data Science في مارس 2025 إلى أن المشكلة أوسع من هذه الحالة. فقد حلل الباحثون 264,487 عملية تحقق من الادعاءات عبر 95 لغة، ووجدوا أن 10.26% من الادعاءات، أي أكثر من 27 ألف ادعاء، خضعت للتحقق أكثر من مرة. ومن بين الادعاءات المتكررة، ظهر 32.26% منها عبر أكثر من لغة. كما وجدت الدراسة أن الادعاءات تتغير تدريجيًا مع الوقت، وأن التغير يكون أكبر عندما تنتقل بين اللغات، فيما تستغرق عملية التحقق وقتًا أطول عندما يعبر الادعاء حاجزًا لغويًا.
لهذا، يصبح الاحتفاظ بالنص الأصلي كما ظهر، إلى جانب الترجمة، جزءًا من عملية التحقق. فقد تكون كلمة واحدة أو اسم أو رقم أو عبارة غير معتادة هي المفتاح للوصول إلى المنشور الأول أو إلى تحقق سابق من الادعاء.
قد يكون التحقق موجودًا.. لكن في لغة أخرى
أحيانًا لا تتغير المشكلة لأن الادعاء تبدل، بل لأن الصحفي يبحث عن شيء موجود أصلًا لكنه لم يتمكن بعد من الوصول إليه، فقد يبدأ منشور في تركيا، ثم ينتقل إلى العربية، وبعدها يصل إلى الصحفي. البحث عن الصياغة العربية قد يعيد مواقع نقلت الادعاء لاحقًا، بينما يكون المصدر الأصلي منشورًا بالتركية قبل ذلك بأيام.
وتناولت دراسة في التحقق واسترجاع الادعاءات متعددة اللغات نُشرت عام 2025، واختبرت طرق استرجاع ادعاءات سبق التحقق منها عبر 47 لغة و283 تركيبة لغوية. ووجد الباحثون أن البحث عن ادعاء سبق التحقق منه عبر لغة مختلفة يواجه تحديات لا تظهر بالدرجة نفسها عند البحث داخل اللغة نفسها.
وفي العمل الصحفي، لا يعني ذلك ترجمة الادعاء كاملًا إلى عدة لغات، بل الاحتفاظ بعناصره الأصلية أثناء البحث: اسم الشخص، اسم المؤسسة، المكان، التاريخ، الرقم والعبارات المميزة. وقد تكون هذه العناصر أكثر فائدة من البحث عن جملة مترجمة حرفيًا.
الوصول إلى المصدر لا ينهي المشكلة
حتى بعد العثور على المصدر، تبقى اللغة جزءًا من عملية التحقق. قد يكون الادعاء بالعربية، بينما المقابلة التي يستند إليها بالفرنسية، والبيان الرسمي بالإسبانية، والدراسة التي تحسم المعلومة بالإنجليزية. وهنا تصبح دقة النقل مهمة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باقتباس مباشر أو رقم أو قرار رسمي أو مصطلح قانوني أو علمي. الفرق بين "قد يحدث" و"حدث"، أو بين رقم "تقديري" ورقم "نهائي"، قد يبدو صغيرًا في الترجمة، لكنه يغير مضمون الادعاء.
وتناولت دراسة EuroVerdict حول التحقق متعدد اللغات هذه المسألة من زاوية التحقق الآلي. واختبرت الدراسة توليد أحكام التحقق في ثماني لغات أوروبية مع تغيير لغة الادعاء ولغة المقال أو الدليل ولغة التعليمات الموجهة للنموذج. وأظهرت النتائج أن استخدام مقال مكتوب بلغة مختلفة عن لغة الادعاء خفض الأداء قليلًا، بينما حسّنت التعليمات المخصصة للغة النتائج، وحققت النماذج المدربة على مقالات باللغة الأصلية أفضل أداء.
وبالنسبة إلى الصحفي، يبقى المصدر الأصلي هو المرجع عندما تكون الصياغة نفسها جزءًا من الادعاء. فالترجمة تساعد على الوصول والفهم، لكنها لا تغني عن العودة إلى التسجيل أو النص الأصلي متى كان متاحًا.
ما يظهر في البحث ليس كل ما هو موجود
حتى البحث باللغة الأصلية لا يضمن الوصول إلى جميع المواد المرتبطة بالادعاء. أنظمة الاسترجاع نفسها ترتب النتائج وتكرر بعض المعلومات أكثر من غيرها.
ودرست ورقة بحثية منشورة في 2026 حول تحيز الاسترجاع في التحقق متعدد اللغات ستة نماذج لغوية متعددة اللغات عبر 20 لغة، ودرست ما سمّاه الباحثون "تحيز الاسترجاع". ووجدت أن بعض الادعاءات تُسترجع بصورة أكبر من غيرها عبر منشورات مختلفة، ما يرفع حضور الادعاءات الشائعة ويجعل الادعاءات الأقل تداولًا أقل ظهورًا في النتائج.
لذلك، قد يجد الصحفي عشرات النسخ من الادعاء نفسه، فيما يبقى المصدر المحلي أو التحقق الأسبق بعيدًا في نتائج البحث.
الذكاء الاصطناعي يوسع البحث.. لكنه لا يحسمه
يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تختصر جزءًا من هذا العمل: ترجمة النص، اقتراح كلمات مفتاحية، مقارنة نسخ مختلفة من تصريح أو تلخيص وثيقة طويلة. لكن أداء هذه الأدوات ليس متساويًا بين اللغات.
في دراسة نشرتها Scientific Reports في فبراير 2026، اختبر الباحثون تسعة نماذج لغوية كبيرة على 5,000 ادعاء سبق تقييمها من 174 جهة متخصصة في التحقق، وشملت البيانات 47 لغة وأكثر من 240 ألف تعليق بشري استُخدم مرجعًا للمقارنة. وأظهرت النتائج تفاوتًا في الأداء بين اللغات، مع فجوات أكبر في بعض اللغات غير الإنجليزية. كما وجدت الدراسة أن نماذج أصغر أظهرت ثقة أعلى رغم دقة أقل، بينما حققت النماذج الأكبر دقة أعلى مع قدر أكبر من التحفظ.
وأظهرت دراسة أخرى في 2025 حول أداء النماذج اللغوية في التحقق عبر اللغات، التي اختبرت ثلاثة نماذج لغوية كبيرة عبر 25 لغة، فروقًا في الأداء مرتبطة بأنظمة الكتابة، إلى جانب مشكلات في اتباع التعليمات عبر اللغات، خصوصًا في بعض اللغات ذات الأبجديات غير اللاتينية.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في فتح مسارات جديدة للبحث، لكنه لا يحول الإجابة التي يقدمها إلى دليل. المصدر الذي يمكن فحصه مباشرة يظل هو نقطة الحسم.
كيف يتعامل الصحفي مع ادعاء يعبر اللغات؟
يبدأ التحقق بالاحتفاظ بالادعاء كما ظهر: النص الأصلي، الحساب أو المؤسسة الناشرة، اسم المتحدث، المكان، التاريخ، الأرقام والكلمات المميزة. بعد ذلك يمكن استخدام الترجمات لبناء عمليات بحث إضافية، مع إبقاء النص الأصلي حاضرًا في كل مرحلة.
وعند ظهور مصدر بلغة أخرى، تُراجع الأسماء والتواريخ والأرقام والمصطلحات والاقتباسات مقابل الأصل. وإذا كان الادعاء قائمًا على كلام شخص، فالأولوية للتسجيل أو النص الأصلي، لا للترجمة التي نُقلت عنه.
كما يمكن تقسيم البحث بدل ترجمة الجملة كاملة في كل مرة. أحيانًا يقود اسم المسؤول مع عبارة مميزة إلى المصدر المحلي مباشرة، فيما تكشف أسماء المؤسسات والأماكن والتواريخ نتائج لا تظهر عند البحث بالجملة المترجمة.
أما أدوات الذكاء الاصطناعي، فيمكن استخدامها لتوسيع مسارات البحث والمقارنة، لا بوصفها مصدرًا نهائيًا للحقيقة.
التحقق من الادعاء يعني تتبع مساره
حين ينتقل الادعاء من لغة إلى أخرى، قد تتغير صياغته، وقد يبتعد عن مصدره الأول، وقد يصبح التحقق السابق منه أصعب في الوصول، وقد تخفي الترجمة فرقًا مهمًا في الدليل.
لذلك لا يكفي أن يعثر الصحفي على إجابة تبدو صحيحة. الأهم أن يتأكد من أن النسخة التي تحقق منها هي نفسها التي بدأت منها القصة.
فالتحقق متعدد اللغات يعني تتبع الادعاء من لغته الأولى، إلى نسخه اللاحقة، ثم العودة إلى مصدره والدليل الذي يمكن فحصه مباشرة.
في زمن تستطيع فيه جملة واحدة أن تعبر عدة لغات خلال ساعات، تصبح معرفة مسار الادعاء جزءًا من التحقق نفسه.
