حوار خاص

حوار: الضوابط الأخلاقية والقانونية لصناعة المحتوى

في مستهل الحوار، أوضح عاهد فروانة، أمين سر نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أن النقابة حدّدت الإطار الجامع للصحفيين والإطار القانوني لهم في فلسطين بشكل عام، وعرّفت الصحفي من خلال نظامها الأساسي الذي يأملون أن يتطور إلى قانون.

وأشار فروانة في سياق بودكاست مختبر الإعلام، مع الإعلامية فداء حلس، إلى أن النقابة أعدّت القانون منذ سنوات لكنه لا يزال ينتظر المصادقة، موضحًا أن هذا القانون ينظّم المهنة بشكل كبير وواسع، لكن غياب المصادقة يحول دون وجود إطار قانوني واضح وجلي.

وفيما يتعلق بتعريف الصحفي، بيّن فروانة أن الصحفي وفق تعريف النقابة هو الذي يعمل في مؤسسة صحفية معترف بها ويتقاضى أجرًا، مشيرًا إلى أن هذا هو الشرط الأساسي، إذ تعمل المؤسسة الإعلامية المرخّصة كإطار ناظم يمنح الصحفي الالتزامات وأخلاقيات المهنة، ويجعل الصحافة مصدر رزق له.

وأكد أن هذا المعيار هو ما يفرّق بين الصحفي من جهة، وصناع المحتوى والمؤثرين وغيرهم من جهة أخرى، مع الإقرار بأهمية صناع المحتوى وتأثيرهم الكبير في الواقع المحلي.

وفي معرض رده على سؤال حول ما إذا كان هناك إطار ينظّم عمل صناع المحتوى، أوضح فروانة أن النقابة تعتمد بشكل أساسي على متابعة أمور الصحفيين من ناحية المحتوى الذي يقدّمونه، ونشر المعلومات والأخبار والتقارير والقصص، إضافة إلى متابعة علاقة الصحفي بمؤسسته من حيث الجَور أو الفصل أو ما شابه ذلك.

أما صناعة المحتوى، فقد أكد أنها تأخذ حيّزا كبيرا من التفكير لدى النقابة، وأن هناك نقاشات كبيرة سواء في الأمانة العامة أو المجلس الإداري، وحتى نقاشات مع كبار صناع المحتوى الذين يطالبون هم أنفسهم بإمكانية انضمامهم للحصول على عضوية النقابة.

وأشار إلى أن النقابة منفتحة على هذا الموضوع وتسعى إلى إيجاد إطار ناظم لعمل صناع المحتوى، مع الحرص على أن يكونوا ضمن الإطار العام والالتزام بالأخلاقيات، لا مجرد البحث عن ترند أو ضجة، مضيفًا أنه قد يتم تشكيل لجنة تهتم بصناع المحتوى لوضع الإطار الناظم ثم استيعابهم في إطار النقابة.

وحول ما إذا كان ما تطرق إليه يمثل قرارات فعلية أم مجرد تفكير، أوضح فروانة أن الأمر وصل إلى مرحلة متقدمة وليس مجرد تفكير أو بحث، مشيرًا إلى أن النقابة في إطار إنشاء وحدة أو لجنة تهتم بمتابعة صناعة المحتوى وتطويرها وإكسابهم المهارات وأخلاقيات المهنة، لأنهم يدركون تمامًا مدى تأثيرهم في المجتمع المحلي.

وأكد أن لهم صوتًا وتأثيرًا كبيرًا يحتاج إلى توجيه في الاتجاه الصحيح بما يخدم قضية أبناء الشعب الفلسطيني في ظل الظروف العصيبة والحرب على قطاع غزة، مشددًا على أن الصحفي الفلسطيني في غزة ليس فقط صاحب مهنة بل صاحب رسالة يوصل معاناة شعبه إلى العالم.

هل يُعتبر صانع المحتوى صحفيًا؟

وفيما يتعلق بما إذا كان يمكن اعتبار صانع المحتوى صحفيًا، أوضح أمين سر نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أن من الصعب في الوقت الحالي القول إن صانع المحتوى صحفي، لأن الصحفي كما ذكر في التعريف يجب أن يرتبط بمؤسسة. وبيّن أن اشتراط العمل في مؤسسة إعلامية يعود إلى أن المؤسسة هي الناظم لعمل الصحفي، بينما صانع المحتوى قد يتحدث على السوشيال ميديا أو يعمل فيديو أو يكتب محتوى دون وجود جهات تراجعه أو تدقّق عمله.

وأشار إلى أن الصحفي حين يعمل في مؤسسة يكون مرتبطًا بوسيلة إعلامية، وبالتالي لديه مسؤولية أخلاقية ومهنية، وهناك من يراجعه ويوافق على ما ينفّذه. وأضاف أن الأمر يحتاج إلى إعادة تفكير لاستيعاب هذه الحالة المهمة والمؤثرة، لافتًا إلى أن هناك حتى الآن من يفرّق بين الصحفي والإعلامي، حيث يُقال إن الصحفي يعمل في الصحافة المكتوبة بينما الإعلامي يعمل في الإذاعة والتلفزيون، وهناك نقابة للصحفيين وأخرى للإعلاميين، مؤكدًا أن نقابة الصحفيين هي الحاضن الأساسي لكل الصحفيين في قطاع غزة.


مدونة السلوك وتأخر النقابة

وفي معرض رده على سؤال حول إمكانية وضع مدوّنة سلوك تضبط عمل صنّاع المحتوى، أكد فروانة أن هذا شيء مهم، وأن الأمر ليس محصورًا في قطاع غزة فقط لأن النقابة تهتم بالصحفيين في كافة المناطق.

وذكر أن هناك مدونة سلوك للصحفيين، وهناك لجنة أخلاقيات المهنة التي تتابع أمورهم، وقد تابعوا بعض حالات الخروج عن أخلاقيات المهنة. وأعرب عن رغبتهم في أن ينسحب الأمر على صناع المحتوى من خلال إطار ضابط داخل نقابة الصحفيين توضع فيه مدونة سلوك يلتزمون بها، مشيرًا إلى أن ذلك يأتي من خلال تراكم التجربة واللقاءات والحوارات.

وبيّن أن كثيرين من صناع المحتوى يطالبون بهذا الأمر، وأنه جلس مع عدد منهم في سبيل أن يكون هذا الإطار وهذه المدونة لتحكم حالة التشعّب الكبيرة في صناعة المحتوى، دون أن يسميها حالة انفلات، حرصًا على ألا تخرج عن الإطار وتؤثر على الرسالة الإعلامية بشكل عام.

وردًا على سؤال حول سبب تأخر النقابة في احتواء هذه الفئة، أشار فروانة إلى أن تركيز النقابة على الصحفيين ربما أبعدها نوعًا ما عن هذا الموضوع، موضحًا أن النقابة ما زالت تواجه إشكاليات كبيرة خلال الحرب على قطاع غزة، خصوصًا في موضوع علاقة الصحفي بالمؤسسة، حيث شاهدوا كثيرًا من الصحفيين يتعرضون للطرد من أعمالهم أو يعملون بشكل غير منضبط لا يكفل حقوقهم.

وأكد أن الأمر يحتاج إلى تفكير وتنفيذ سريع لإعداد المدونة واحتواء صناع المحتوى، مشيرًا إلى تأثيرهم الكبير في الشارع المحلي عبر منصات فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، والتي ربما أصبحت أكثر تأثيرًا من أي وسيلة إعلامية أخرى في ظل الحرب وانقطاع التيار الكهربائي.

وأوضح أن المؤسسات الإعلامية الذكية استثمرت في صفحات السوشيال ميديا لإيصال رسالتها، وأن صناع المحتوى كان لهم الدور الأبرز على هذه المنصات. وكشف أن اجتماعًا للمجلس الإداري لنقابة الصحفيين سيعقد خلال أيام معدودة، وأن موضوع صناع المحتوى سيكون من ضمن الأمور المطروحة للنقاش، بهدف احتوائهم بالشكل الصحيح والناظم والضابط لعملهم.

البطاقات والحرية والترخيص

وفيما يتعلق بالمأسسة والترخيص لصناع المحتوى، أكد أمين سر نقابة الصحفيين أن هناك تفكيرًا في منحهم بطاقات معينة، لأن البطاقة لا تتيح فقط العلاقة مع النقابة بل تتيح أيضًا الوصول إلى المعلومات.

وبيّن أن المعايير مهمة لأن عملهم مختلف عن الصحفيين، فكما للصحفي معايير ستكون هناك معايير محددة لصناع المحتوى وشكل البطاقة التي تُمنح لهم. وأشار إلى أن النقابة لديها عدة أنواع من البطاقات: شرفية، وعاملة، ومؤقتة، وحتى بطاقة طالب الإعلام، معربًا عن حرصهم على أن يكون لصناع المحتوى تعريف وبطاقة تتيح لهم العمل وتشكّل ضابطًا وناظمًا لعملهم. ولفت إلى عدم رغبتهم في تشتّت صناعة المحتوى، مشيرًا إلى حدة الجدل الدائر على السوشيال ميديا حول صناعة المحتوى من أشخاص قد تخطر لهم أفكار غير ملائمة للواقع أو ينشرون صورًا بلا ضوابط، بينما الصحفي عند نشر صورة أو تقرير هناك من يراجع و هناك لجنة أخلاقيات المهنة.

وردًا على سؤال حول ما إذا كان الإطار الناظم قد يُفهم كتقييد للحرية، شدّد فروانة على أن الأمر ليس تقييدًا للحرية، مستشهدًا بمبدأ أن حرية الشخص تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين. وأوضح أن الأمر تنظيم للحريات يجعلها تسير في الاتجاه الصحيح، لأن ترك الأمور بلا محددات ولا معايير يعني حالة من الفوضى ربما شاهدناها في مرحلة معينة. وأكد أنهم أول المدافعين عن حرية الرأي والتعبير، وأنهم يقفون مع الصحفي حتى لو لم يكن عضوًا في النقابة إذا تعرض لانتهاك، لأن العضوية اختيارية وليست إلزامية.

وبيّن أن الأمر ليس فوضى أو انفلاتًا أو أن يتحدث الشخص بما يحلو له، بل هناك رقابة ذاتية على الأقل أو رقابة مجتمعية، مؤكدًا أن التنظيم يجعل الحريات في الإطار القانوني والوطني.

وفيما يتعلق بصناع المحتوى الذين يمارسون عملًا صحفيًا على صفحاتهم وبعضهم حصل على بطاقة طارئة أو مؤقتة، أوضح فروانة أن «الصحفي الحر» في بطاقة النقابة لا يعني أنه بلا مؤسسة، بل يعمل مع عدة مؤسسات ولا يرتبط بمؤسسة واحدة، بينما صانع المحتوى لديه صفحة أو تيك توك أو هو يوتيوبر وقد يتقاضى أموالًا لكنه غير مرتبط بمؤسسة صحفية، وهنا النقطة الجوهرية في عدم اعتباره صحفيًا. وأشار إلى أن الأمر يحتاج إلى تفكير أوسع لتحديد كيفية تعريفهم ووضعهم في الإطار الناظم، مؤكدًا أن الصحفي الحر مختلف عن صانع المحتوى، وأنه ليس كل صانع محتوى صحفيًا، لكن يمكن أن يكون الصحفي صانع محتوى لأن كثيرًا من الصحفيين يستثمرون صفحاتهم للترويج لعملهم، غير أن الصحفي يكون قد تشرّب أخلاقيات المهنة بينما صانع المحتوى يحتاج إلى تطوير في هذا الجانب من خلال التدريب.

وحول ما إذا كان صانع المحتوى يحتاج ترخيصًا من النقابة، أوضح فروانة أن الأمر يحتاج إلى دور مع الجهات الرسمية، وأن الترخيص يجب أن يكون بشكل صحيح، ولا يمكن ترك الأمر لحالة الانفلات لأنهم شاهدوا كثيرًا من المنشورات التي تخرج عن السياق الإعلامي بل والأخلاقي وقد تصل إلى التضليل، وهو أمر مرفوض.

وأشار إلى أن عمليات الترخيص قائمة في عدد من الدول، حيث لا يستطيع أحد نشر شيء معين حتى في موضوع أخبار الطقس، لكنهم لا يريدون الوصول إلى ذلك بشكل يقيّد بل بشكل يحتوي هذه الحالة.

وأكد أن المطلوب هو إطار تنظيم وانتظام بحيث يكون هناك إعلامي أو صانع محتوى يخرج بمحتوى يخدم أبناء الشعب ويخدم الرواية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الصحفيين وصناع المحتوى استطاعوا خدمة الرواية الفلسطينية في مواجهة كذب الاحتلال وتضليله منذ بداية الحرب على غزة. وشدد على أن النقابة تسعى إلى هذا الإطار من خلال الحوارات واللقاءات التدريبية والتوعوية.

قبول صناع المحتوى والتعريف الجديد والختام

وردًا على سؤال حول ما إذا كان سيكون لصناع المحتوى قبول بهذا الإطار، أكد فروانة أن الأمر أصبح مطالبات حتى منهم، وأنهم حريصون على أن يكون لديهم عضوية في النقابة أو تعاون معها أو أي شكل مناسب لضبط الحالة بشكل مؤسسي. وأوضح أن كبار صناع المحتوى أنفسهم لا يرضيهم أن تكون هناك حالة انفلات لأن ذلك يؤثر عليهم، فعندما يشاهدون حالة تضليل يؤثر ذلك على صانع المحتوى الكبير الحريص على صورته ومحتواه، وبالتالي هم أشد الناس حرصًا على وجود إطار ناظم. وأشار إلى أن النقابة ستعمل من خلال اللقاء معهم للوصول إلى حالة احتواء وتطوير لهذا العمل بالشكل المناسب الذي يخدم الفلسطينيين.

وحول إمكانية إعداد تعريف جديد في العصر الرقمي، أوضح فروانة أن الأمر يحتاج إلى توسيع المفهوم لأنه يتطور كل يوم، مشيرًا إلى أن هناك من يفرّق بين الصحافة والإعلام ويقولون إن كل صحفي إعلامي ولكن ليس العكس، وأن هذا ينسحب على صناعة المحتوى في كيفية الوصول إلى تعريف واسع وشامل يحتضن كل هذه المسميات وفق الأطر القانونية والأخلاقية الناظمة. وأشار إلى أن التطور الإعلامي وصل إلى مراحل كبيرة، فبعد أن كان العالم قرية صغيرة أصبح بلا حدود ولا فواصل، حتى إن الفلسطيني القاطن في أستراليا قد يعرف بخبر قصف في غزة قبل السكان أنفسهم، مما يجعل توسيع المفهوم ضرورة.

وبيّن أن هناك قانونًا لنقابة الصحفيين ينتظر الاعتماد حتى تصبح لها مأسسة كبيرة تعينها على استيعاب جميع الحالات، مستشهدًا بنقابة الصحفيين المصريين التي لديها قانون ناظم جعلها قوية، مؤكدًا أن فلسطين تحتاج إلى قانون لنقابة الصحفيين وليس فقط نظام أساسي، حتى تأخذ النقابة دورها الأكبر في ضبط الحالة الإعلامية.

وفي ختام الحوار، وردًا على سؤال حول المدة الزمنية لتطبيق قانون يسري على صناع المحتوى، أوضح فروانة أن موضوع التواريخ معقد خصوصًا في الحالة الفلسطينية، لكنه أكد أنهم سيسعون خلال فترة قريبة جدًا، وكشف أن اجتماعًا للمجلس الإداري لنقابة الصحفيين سيعقد خلال الأسبوع المقبل وعلى رأس أولوياته موضوع صناع المحتوى وكيفية التعامل معه وتسريعه.

وأشار إلى أن الأمر يحتاج أيضًا إلى اعتماد قانون نقابة الصحفيين لأنه يعطيها أفضلية قانونية في هذا الجانب، مؤكدًا أنه لا يريد الارتباط بتاريخ لكنه يعتقد أن الأمر سيكون مجرد أشهر حتى تكون الأمور واضحة بشكل أكبر، وأن هناك مُخرَجًا لكل هذه اللقاءات والحوارات حتى تكون عملية الضبط أكبر واستيعاب حالة صناع المحتوى التي شكّلت صدى كبيرًا لدى أبناء الشعب الفلسطيني.

 dxcZCziR76QNKNMMrAb4BTgR5jQ3mElPbCkda0R2.jpg