مقال

هل ولّى زمن الصّحافة؟

في غضون سنوات قليلة، زعزع الذّكاء الاصطناعي التّوليدي اليقينيّات في مجال التّعلّم ونقل المعارف وفرادة العقل البشريّ، حيث اقتحم الفصول الدّراسية عنوة، إن جاز التّعبير، في نوع من الاحتيال عالي التّقنية، مقدّمًا واجبات مدرسيّة متماسكة تمامًا ومستندة إلى مراجع عالمة لا تتناسب مع المستوى الحقيقيّ للطلّاب. ثمّ بمرور الوقت، أدرك المعلّمون قوّة هذه الأداة الجديدة التي تتيح الوصول إلى محتويات لا نهاية لها، بل حتّى توليدها.

اليوم، لم يعد السّؤال مطروحًا حول كشف المخادعين بقدر ما هو مطروح في علاقة بمعرفة المكانة التي يجب تخصيصها لهذه التّكنولوجيا المتطوّرة باستمرار في مجتمعاتنا المسمّاة "مجتمعات المعرفة". فالذّكاء الاصطناعيّ التّوليدي قد غيّر بالفعل ممارسات المعلّمين على نحو كبير، حيث بات الكثير منهم يفضّل اليوم الاختبارات الشّفهيّة والعمل داخل الفصل على حساب الواجبات المنزليّة. ولكن، رغم ما تفتحه هذه التّكنولوجيا من آفاق جديدة، يخشى الكثيرون تأثيرها على التطوّر المعرفيّ لمستخدميها.

وقد لعبت اليونسكو دورًا رائدًا من خلال وضع مبادئ وتوصيات أخلاقيّة منذ عام 2021 لضمان تسخير الذّكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان فعليّا. كما نشرت المنظّمة في سبتمبر 2023 أولى التّوجّهات الخاصّة بالذّكاء الاصطناعي التّوليدي في التّعليم والبحث، وأصدرت عدّة دلائل كفاءات موجّهة للطلّاب والمعلّمين.

وتؤكّد المنظّمة على الدّور المحوري للتعلّم. ففي عالم مشبع بالبيانات، تكمن الكفاءة الحقيقيّة، أكثر من أيّ وقت مضى، في القدرة على الفهم، والتّحليل، والفرز، وإضفاء المعنى. فبدون هذه القدرة، كيف يمكننا الحفاظ على أساسيّات الاستقلال الفردي، والإرادة الحرّة، وبالتّالي الحريّة؟ وكيف يمكننا إدارة تبعيّتنا للتّكنولوجيّات إذا ما استخدمناها كبدائل لملكاتنا الإبداعيّة أو الفكريّة؟ 

إن التعلّم والتّأمّل والتّفكير تعني أيضاً بناء الذّات ككائن بشريّ، وتنمية حبّ الاطّلاع، والبحث عن التآلف الاجتماعي، واكتساب الحسّ النّقدي. ولا مجال لأيّ آلة، مهما بلغت كفاءتها، أن تدّعي الاضطلاع بكلّ هذه الأدوار.