الخبر الموثوق ملك مشترك مهدّد
في عالم أصبح فيه التّمييز بين الأخبار الموثوقة والأخبار الزّائفة أمرًا متزايد الصّعوبة، بات من العاجل التّحرّك لحماية الحقّ في معلومة نزيهة.
يثير مفهوم "نزاهة الخبر" جدلا واسعًا، وذلك لأسباب وجيهة. فقد برز هذا المفهوم مع الحركة العالميّة من أجل بيئة معلوماتيّة عالية الجودة في 1991. كانت الانطلاقة في اجتماع لليونسكو، في ناميبيا المستقلّة حديثًا، ضمّ محرّرين أفارقة حيث صاغ الإعلاميّون الحاضرون في هذا الحدث إعلان ويندهوك من أجل تعزيز صحافة أفريقيّة مستقلّة وتعدّدية، وهو الإعلان الّذي أقرّه لاحقًا المؤتمر العامّ لليونسكو.
كان المحرّرون المشاركون –من بينهم اثنان أُفرج عنهما من السّجن بهذه المناسبة- على دراية تامّة بما يحدث عندما يُحرم الجمهور من المعلومة الصّحيحة، وكيف تحدُّ الرّقابة من قدرة الدّيمقراطية على حلّ النّزاعات سلميًّا. فقد شاهدوا عن كثب كيف أن القرارات الوطنيّة المبنيّة على معلومات مغلوطة تضرّ بالتّنمية الوطنيّة. وقد أدّى الإعلان إلى وضع معيار دوليّ هام يُقرّ بضرورة حماية حرّية الصّحافة.
جلب الجماهير
إن وجود صحافة حرّة ومهنيّة يُعدّ عنصرًا أساسيًّا في البيئة الاتّصاليّة لأنه يُتيح كشف الفساد، والتّنديد بانتهاكات حقوق الإنسان، والانتخاب على نحو واعٍ، ولفت الانتباه إلى تبعات التغيّر المناخي، ومكافحة جميع أشكال التّمييز. لذلك أقرّت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة يوم 3 مايو يومًا عالميًا لحريّة الصّحافة.
فالصّحافة تُقدّم إسهامًا فريدًا للمجتمع. ويتجلّى ذلك بوضوح في السّياق الحالي حيث تطغى على الإعلام الجيّد كميّات متزايدة من المحتوى التّرفيهي والتّجاري ومن تلك "الآفات" المتمثّلة في التّضليل الإعلامي، والمعلومات المغلوطة والمعلومات الضارّة.
كلّنا يعلم ما الّذي يحدث. فقد احتكر عمالقة التّكنولوجيا نسب استماع ومتابعة هائلة واستحوذوا على جزء كبير من عائدات الإعلانات الإشهاريّة غير مكترثين بالمسّ من نزاهة المعلومة. أما عن وسائط الإعلام، فقد شهدت من جانبها تقلّصا في مواردها إضافة إلى دور الخوارزميّات في التّقليل من ظهور محتوياتها على وسائل التّواصل الاجتماعي. كما إنّ شركات الذّكاء الاصطناعي تستخدم عمل الصّحفيّين دون الإشارة إليهم أو مكافأتهم. وما الأزمة المتنامية سوى نتيجة لهذا الوضع.
محتويات مضلّلة
في هذا السّياق، انعقد، بعد ثلاثين سنة من الاجتماع الأوّل، اجتماعا ثانيا لليونسكو في ناميبيا سنة 2021 وأسفر عن إعلان ويندهوك + 30 الذي دقّ ناقوس الخطر وأعلن أنّ المعلومة ملك عموميّ.
والمقصود بالملك العموميّ هنا هو الخبر النّزيه نقيض الأكاذيب وغيرها من المحتويات المضلّلة التي ما فتئت تنتشر. فالخبر النّزيه الذي يستحقّ هذه التّسمية يتعارض مع الأخبار الزّائفة التي تنتهك الحقّ في الكرامة والحياة الخاصّة والصّحّة العامّة، كما يتعارض مع الأكاذيب المرتبطة بعمليات التحيّل أو تلك التي تغذّي الكراهيّة والتّرهيب والتّحريض والحرب.
غير أن نزاهة الخبر أصبحت اليوم مهدّدة بشكل خطير حيث يُظهر تقرير اليونسكو حول الاتّجاهات العالميّة، الصّادر سنة 2025، أنّ العديد من وسائل الإعلام تقع فريسة لمصالح خاصّة، في حين يقمع القادة المستبدّون الصّحفيين وغيرهم من الذين يندّدون بالفساد.
لغات الأقلّيات وأنظمتها المعرفيّة مُهمّشة تماما
مسألة الشّفافيّة
هذا، ويزيد الذّكاء الاصطناعي التّوليدي في تضخيم هذه الظّاهرة حيث يُنتج، اعتماد على احتمالات ترتكز على كميّات هائلة من المعلومات، محتويات مقبولة في شكل نصوص وصور وتسجيلات صوتيّة تُغذّي الالتباس. وفي حين تُصمّم واجهات بشريّة مُزيّفة بهدف إعطاء مظهر مقنع للغاية، تظلّ دقّة النّتائج وموثوقيّتها غير مضمونة ويُصبح من الصّعب التّمييز بين البيانات الجيّدة من عدمها. ومن ناحية أخرى، تظلّ لغات الأقلّيات وأنظمتها المعرفيّة مُهمّشة تماما.
ومما يزيد الوضع سوءًا سعي بعض الحكومات و"أقطاب التّكنولوجيا" broligarques المُؤثّرين والماسكين بشركات التّكنولوجيا إلى توجيه الأخبار المُولّدة بواسطة الذّكاء الاصطناعي خدمةً لأيديولوجيات ضيّقة. هذا الغموض المعلوماتيّ ليس أقلّ من كونه تحدٍّ وجوديّ للبشريّة جمعاء. فهو يُقوّض قدرة الجميع على اتّخاذ القرارات في مجتمع عالميّ لم يعد فيه أحد قادراً على التّمييز بين الحقيقة والخطأ.
بالنّظر لهذه التّحدّيات، هل مازال باستطاعتنا أن نعمل على حماية معلومة نزيهة وميسورة التّكلفة ومتاحة للجميع؟ في هذا الصّدد، تدعو المذكّرة التّوجيهيّة حول نزاهة الخبر على المنصّات الرّقمية التي نشرها الأمين العام للأمم المتّحدة، أنطونيو غوتيريش، في يونيو 2023 إلى وضع سياسات تُعزّز الصّحافة المستقلّة والحرّة والتّعدّديّة، وتفرض على شركات التّكنولوجيا، التي تلعب دورًا رئيسيًّا في تدهور نزاهة الخبر، توخّي الشّفافيّة. علاوة على ذلك، تدعو قرارات الأمم المتّحدة إلى إيجاد حلول تهدف إلى تعزيز قدرة المجتمعات على الصّمود بفضل التّربية على وسائل الإعلام وعلى التّعاون الدّولي.
إنّ تحقيق هذه التّوجّهات يجب أن يكون مرفقا بالاحترام التامّ لحريّة التّعبير وبدعم الصّحافة أمام المصالح السياسيّة والاقتصاديّة. كما يتعيّن على المنصّات تحسين إدارة المحتويات بلغات مستعمليها وتعزيز دعمها في مجال التثبّت المستقلّ من الأحداث.
ينبغي التّنصيص بوضوح على المحتويات المولّدة بواسطة الذّكاء الاصطناعي
ينبغي التّنصيص بوضوح على المحتويات المولّدة بواسطة الذّكاء الاصطناعي، ولتحقيق ذلك، يجب على شركات التّكنولوجيا فتح المجال أمام الباحثين وجهات المراقبة والضّبط للحصول على بياناتها. إضافة إلى ذلك، ينبغي أن تمنح الخوارزميّات الأولويّة للمعلومات عالية الجودة، بدلاً من تفضيل "محتوى هزيل" لمجرّد كونه يجلب الانتباه.
إنّ التّقاعس ليس خيارًا. والمعلومة الموثوقة ليست ترفا. وهناك فوائد حقيقيّة في اعتبار المعلومة ملكا عمومياّ عالميّا. ولقد تجنّد الصّحفيّون على مرّ السّنين من أجل الدّفاع عن قضية الإعلام النّزيه. واليوم، جاء دورنا لنتّخذ موقفا من هذه المسألة لأنّ حرمة الذّات البشريّة تمرّ عبر نزاهة الإعلام.