ثلاث نصائح للتعامل مع القلق القسري في بيئات النزاع
تعرّف إلى 3 نصائح عملية للتعامل مع القلق القسري في بيئات النزاع، وفهم تأثيره على الحياة اليومية، وكيفية بناء حصانة نفسية وسط الحرب وعدم الاستقرار.
مع اقتراب الساعات الفاصلة عن صدور نتائج الثانوية العامة لـ 91,138 طالباً وطالبة، وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عبر موقع وزارة التربية والتعليم العالي في المحافظات الشمالية والجنوبية وقطاع غزة والخارج، تعود إلى الواجهة حالة من الترقّب الثقيل التي لا تمسّ الطلبة وحدهم، بل تمتد لتشمل البيوت والمجتمع ككل. يتوزع هؤلاء الطلبة المتقدمون وفق الإحصاءات الرسمية الموثقة على بوابة نتائج التوجيهي بين 51,499 طالباً وطالبة يترقبون النتائج في الضفة الغربية، و37,698 طالباً وطالبة تقدموا للامتحانات إلكترونياً من قطاع غزة رغم الظروف القاسية، بالإضافة إلى 1,941 طالباً وطالبة في الخارج، و65 أسيراً داخل سجون الاحتلال.
وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية القاسية التي عاشها هؤلاء الطلبة طوال العام الدراسي، لم يعد هذا القلق مجرد توتر اعتيادي يسبق خطوة أكاديمية، بل تحوّل إلى حالة من الاستنزاف النفسي المتراكم الذي يتطلب قراءة واعية لكيفية إدارته والتعامل معه.غير أن ما يبث الأمل قبل ساعات من الإعلان، هو تصريح وزير التربية والتعليم العالي، أ.د. أمجد برهم، الذي أكّد فيه أن نسبة النجاح العامة في الثانوية العامة هذا العام أعلى من الأعوام السابقة؛ وهي إشارة إيجابية تعكس حجم الإصرار والجهد الذي بذله الطلبة لتجاوز العقبات الاستثنائية وصناعة النجاح رغم كل الظروف.يرى المختصون النفسيون أن المنهك في هذه المرحلة ليس الرقم أو المجموع بحد ذاته، بل ما يُعرف بـ"القلق المعلّق" (Anticipatory Anxiety)، وهو الاستجابة الطبيعية لدماغ يحاول استباق
المجهول وبناء سيناريوهات متعددة للتعامل معه.
في الظروف العادية، يُعتبر هذا الترقّب محفزاً، لكنه عندما يتقاطع مع ظروف بيئية وضغوط معيشية وأمنية صعبة، يتحول إلى عبء إضافي يتجسد في أعراض مثل تشتت التركيز، واضطرابات النوم، وحالة من التحفز العصبي الدائم. كما تشير إرشادات منظمة الصحة العالمية للصحة النفسية في الأزمات إلى أن إدراك أن هذا التوتر ليس ضعفاً شخصياً أو فشلاً في السيطرة على المشاعر، بل هو استجابة بيولوجية ونفسية لبيئة قاهرة، يمثل الخطوة الأولى للتخفف من وطأته.
يتحول إعلان النتائج في مجتمعاتنا إلى حدث جمعي تتسلط فيه الأضواء على العائلة بأكملها، وفي كثير من الأحيان يتحول حرص الوالدين الصادق وقلقهم على مستقبل أبنائهم إلى ضغط غير مباشر،
يضع الطالب أمام شعور بأنه يحمل الثقل النفسي لعائلته كاملة.
وتؤكد الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن أفضل ما يمكن أن تقدمه الأسرة في هذه المرحلة هو الفصل بين قيمة الطالب الإنسانية وبين معدله الدراسي، وإشعاره بأن المحبة والدعم غير مرتبطين برقم أو نتيجة، وأن المعدل يمثل تقييماً لمرحلة دراسية محددة وفي ظروف استثنائية، وليس حكماً على شخصيته أو قدراته أو مستقبله.
كما يُنصح الوالدان بضبط توقعاتهما والاستعداد لتقبّل مختلف النتائج بهدوء، وتجنب إظهار خيبة الأمل أو الصدمة أمام الطالب، لأن الدعم في لحظات الانكسار يصنع صلابة نفسية تدوم سنوات طويلة. ومن المهم أيضاً حماية الطالب من المقارنات مع الآخرين، والحد من الضغوط الاجتماعية، وعدم تحويل النتيجة إلى مادة للتفاخر أو الانتقاد، مع توفير مساحة آمنة له للتعبير عن مشاعره والاحتفاء بجهوده وصموده طوال العام، بصرف النظر عن النتيجة.
ولتخفيف حدة التوتر في الساعات الأخيرة، ينصح المختصون بالاعتماد على الوسائل الرسمية فقط لمعرفة النتيجة، سواء عبر الرسالة النصية أو الموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة التربية والتعليم أو بوابة النتائج، مع تجنب متابعة الصفحات غير الرسمية والشائعات التي تزيد من القلق.
كما يُستحسن التقليل من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قبل موعد إعلان النتائج، والاتفاق مسبقاً مع أحد الوالدين أو شخص موثوق لفحص النتيجة إذا كان الطالب يشعر بقلق شديد، إضافة إلى التفكير بهدوء في البدائل والخطط المستقبلية، لأن وجود أكثر من مسار يقلل الإحساس بالخوف ويمنح الطالب شعوراً بالأمان.
إن النتيجة التي ستُعلن عند الساعة التاسعة صباحاً، أياً كانت، ليست سوى محطة في رحلة طويلة، وليست نهاية الطريق. فالنجاح الحقيقي في الظروف الاستثنائية يقاس بقدرة الإنسان على الصمود والاستمرار والتعافي، وليس فقط بالعلامة التي يحصل عليها.
ويؤكد الواقع الأكاديمي والمهني اليوم أن الفرص لم تعد مرتبطة حصراً بمعدل الثانوية العامة، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على المهارات، والشغف، والقدرة على التعلم والتكيف مع متطلبات العصر. فكل نتيجة تمثل بداية مرحلة جديدة، ويمكن لأي طالب أن يصنع مستقبله بالإرادة والاجتهاد مهما كان المسار الذي يسلكه.
وفي الختام، تبقى الرسالة الأهم هي الحفاظ على التوازن النفسي والصحة العقلية. فالنتيجة ليست سوى رقم يعكس أداء مرحلة زمنية محددة، أما القدرة على النهوض والاستمرار والسعي نحو المستقبل فهي المعيار الحقيقي للنجاح. كما أن حضور الأسرة الداعم واحتضانها لأبنائها في هذه اللحظات يمثل الاستثمار الأهم في مستقبلهم، ويمنحهم القوة والثقة لعبور هذه المرحلة والانتقال إلى ما بعدها بأمل وإصرار.