هذا التدرج يكشف أن المشكلة ليست في الاصطلاح الذي نطلقه (مقدمة، هوك)، ولا في الأداة المستخدمة (خبر أم محتوى)، بل في النية التي تسبقها والمضمون الذي يليها.
كتب: فادي الحسني
في زحام المحتوى الرقمي، حيث تتصارع آلاف القطع البصرية والنصية على جزء من ثانية من انتباهنا، يطل علينا مصطلح "الهوك" أو الخطاف وكأنه ابتكار حديث. لكن التأمل العميق يكشف أنه مجرد تطور طبيعي لواحدة من أكثر أجزاء الكتابة الصحفية أهمية، ألا وهي المقدمة.
ما كان يُعرف في الصحافة التقليدية بـ"المقدمة" - تلك الفقرة الافتتاحية التي تقدم القصة أو المقال أو التحقيق أو الخبر بأركانه الأساسية - تحول اليوم إلى خطاف أكثر حدة وإلحاحًا.
يشكل الهوك امتدادًا طبيعيًا للمقدمة والعنوان في المدرسة الصحفية التقليدية، التي كانت تأخذ أشكالًا متعددة: الخبرية، الوصفية، التلخيصية، التشويقية، التساؤلية... وغيرها. ليصبح الآن، وفقًا لمفهوم صناعة المحتوى، يأخذ أشكال: السرد، الصدمة، المعلومة، أو المفاجأة... إلخ.
الفرق الآن، هو أن وسائل الإعلام التقليدية باتت تصارع ليس على صناعة الخبر أو القصة، بل على إيقاف الإصبع الذي يستعد لسحب الشاشة لأعلى. وهو عمليًا صراع وجودي على البقاء في دائرة الانتباه، في عصر التشتت الرقمي، ولا سيما بعد التدفق الهائل لما يعرف بصناع المحتوى.
لكن التحول الأعمق حدث في العلاقة بين الشكل والمضمون. فعندما كانت الصحافة الصفراء تستخدم العناوين البراقة على حساب الدقة، كانت تمارس شكلًا بدائيًا من الخداع البصري والفكري. تطور هذا الأسلوب ليصبح ما نعرفه اليوم بـ"الأخبار الزائفة"، حيث يعدك العنوان باكتشاف مذهل لتجد محتوى هزيلًا لا يستحق لحظة من وقتك. ثم جاءت المرحلة الأخطر: "الأخبار المضللة" (فيك نيوز)، حيث يصبح الخطاف الجذاب بوابة لتمرير أكاذيب كاملة، الهدف منها التضليل أو خلق تصور معين تجاه قضية ما، بغية التأثير على الرأي العام.
هذا التدرج يكشف أن المشكلة ليست في الاصطلاح الذي نطلقه (مقدمة، هوك)، ولا في القالب المستخدم (خبر أم محتوى)، بل في النية التي تسبقها والمضمون الذي يليها.
وهنا تبرز ضرورة التمييز الجوهري: الخطاف الأخلاقي يجب أن يكون دقيقًا وغير مضلل، وأن يعد الجمهور بما سيجده فعلًا، لأن الفرق بين الإثارة المهنية والتضليل الإعلامي دقيق لكنه حاسم.
لكن ماذا عن صانع المحتوى الذي ليس بالضرورة صحفيًا محترفًا؟ هل تبقى الكتابة المهنية حكرًا على خريجي كليات الإعلام؟
أعتقد أن هناك قاعدة مشتركة يمكن أن نسميها قاعدة "م.م": المهنية والمصداقية، وهما وجهان لعملة واحدة.
المهنية تعني إتقان الصنعة: فهم طبيعة الجمهور، اختيار زاوية العرض المناسبة، جودة الإخراج في الفيديو، ووضوح اللغة. بمعنى آخر: "كيف" تقدم محتواك؟. أما المصداقية فهي "ماذا" تقدم: هل المعلومات صحيحة؟ هل أنت منصف في طرحك؟ هل تحترم ذكاء من يتابعك؟
هذا الثنائي هو ما يؤسس لبناء "الثقة" بصاحب المحتوى على المدى الطويل. فالخطاف القوي في هذه المعادلة ليس مجرد أداة جذب أو صنارة تحمل طُعمًا، بل ذكاء قيمي صادق يمكنك من التعبير عن جوهر المحتوى بدقة لجمهورك، ثم الوفاء به بطريقة احترافية، كي تتمكن من كسب ثقته.
العكس صحيح أيضًا، فالمحتوى الزائف أو غير الأخلاقي قد يحقق انتشارًا واسعًا للحظة، مثل الشهاب الذي يضيء السماء ثم يختفي. لكنه يحرق الثقة بسرعة الضوء. الجمهور اليوم أكثر ذكاءً مما نتصور، وسرعان ما يكتشف أن من يخدعه مرة لا يستحق المتابعة أبدًا.
لذلك، حين تجلس لصياغة محتوى، اسأل نفسك: هل خطافي يعكس الحقيقة؟ هل سيجد المشاهد ما وعدته به؟ فإن كان الجواب نعم، أستطيع عندها أن أنافس على جذب الانتباه بضمير مرتاح.
الخلاصة التي أؤمن بها، هي أن الخطاف القوي والمقدمة المؤثرة ليسا ترفًا جماليًا، بل مسؤولية مهنية وأخلاقية. وهما البوابة التي ندعو الناس من خلالها لعالمنا، من أجل بناء علاقة مشتركة قائمة على الثقة.